التقرير لناجي ظاهر عبر موقع فرفش
يعتبر بيت الآباء في بلدة دبوريه، الواقعة في منطقة مرج ابن عامر، واحدا من بيوت المسنين المتميزة في البلاد، ما أهله لان يكون بيت المسن الأول في عطائه وفق معطيات وزارة الصحة، ذات عام، وما أهله بالتالي لان يتصدر قائمة بيوت المسنين الخمسة الأولى في البلاد، بصورة دائمة.
لغرض كتابة هذا التقرير، عينا موعدا للقاء بالمدير العام لهذا البيت الأستاذ اسعد عزايزة، في مكتبه القائم في بيت الآباء ذاته، عندما دخلنا إليه قبل ظهيرة اليوم المحدد للقاء، وهو يوم الجمعة الماضي، بادرناه قائلين: إننا سنحاول إنهاء اللقاء بأسرع وقت ممكن، فانفرجت أسارير وجهه، وهو يقول اليوم لكم، سنتحدث في كل ما تريدونه وتبغونه، الآن سنبدأ في الحديث، بعد ساعة سنأخذ استراحة أؤدي خلالها صلاة الجمعة في المسجد القريب، بعدها نعود لمواصلة اللقاء إذا تطلب الأمر.
منذ فترة بعيدة تتجاوز السنوات، استمعت عن بيت الآباء في دبوريه على اعتبار انه من بيوت المسنين اللافتة في منطقتنا، كان ذلك عندما امتدحته صديقة تعمل في سلك التدريس، اعرف أنها ترفض أن اذكر اسمها لتواضع فـُطرت عليه في كتابة لي، يومها أخبرتني هذه المرأة الفاضلة عن السنوات القليلة التي قضتها والدتها حتى يومها الأخير في ذلك البيت، وكيف أنها كانت تتلقى عناية ما كان بإمكان إنسان أن يقدمها إليها مهما بلغ مدى حبه لها. بعدها قرأت عددا من التقارير في هذه الصحيفة أو تلك، وكنت كلما رأيت تقريرا عن هذا البيت أبادر لقراءته لأتأكد مما قيل ويقال عنه، وربما لأقول لنفسي إننا نحن العرب يمكننا إن نقدم شيئا لافتا لمسنينا، آبائنا وأحبائنا الكبار.
فكرة إقامة هذا البيت طرأت في التسعينيات لصاحب المبادر لإقامته، الدكتور اسعد عزايزة، يومها كان عزايزة يشغل منصب رئيس مجلس بلدته دبوريه المحلي، علما انه شغل هذا المنصب من عام 1978 حتى عام 1993. قبل إنهائه لفترة رئاسته للمجلس بعام ابتدأ عزايزة في إخراج فكرة إقامة بيت للآباء في بلدته، إلى حيز التنفيذ، فبادر لإقامة جمعية عثمانية، جمعية لغير هدف الربح، كما يتطلب أمر إقامة مثل هذا البيت، دعا للمشاركة فيها عددا من الشخصيات المعروفة بعطائها لمجتمعها، ووقف منذ ذلك الوقت في طليعة هذه الجمعية، على اعتبار انه رئيس للجمعية الشخصية المعروفة عاطف فاهوم من مدينة الناصرة، وهو ممن أقاموا في دبوريه شطرا من حياتهم، سواء كان معلما فيها أو مزارعا، يزرع الأرض ويفلحها.
عزايزة قال أن إدارة الجمعية تضع خطة عمل بيت الآباء، في حين يقوم هو ومن تبقى من عاملين مهنيين أكفاء ومن حملة الشهادات، في تنفيذ ما تخطط له وترسمه إدارة الجمعية.إجابة عن سؤال قال عزايزة إن المبادرة لإقامة هذا البيت، تمت لأنه رأى دائما في المسنين، أناسا أعطوا للحياة الكثير كل في مجاله ويحق لهم أن يحتفي بهم المجتمع وان يقدم لهم ما يحتاجون إليه بعد أن أدوا واجبهم في تربية الأجيال وتنشئتها، " للآباء، لا أقول للمسنين، في قلبي رأفة ومحبة" يؤكد عزايزة ويضف، منذ إقامة هذا البيت وأنا اشعر أنني أقدم الرسالة من جيل إلى آخر، وأنوى أن أقدم هذه الرسالة حتى اللحظة الأخيرة الممكنة.
أما عن تميز هذا البيت، يقول عزايزة، نحن حصلنا على تميزنا هذا بالجدية والعمل المثابر، أهم ما نقوم به هو المحافظة على مستوى مهني ومتقدم في مجال ما نقدمه من خدمات لنزلائنا من الآباء، اليوم يوجد لدينا نحو الـ 125 نزيلا، علما انه يوجد لدينا إمكانية لاستقبال عدد من النزلاء يقارب الـ 140، لخدمة هؤلاء يوجد لدينا نحو المائة موظف ومستخدم، يحتاج النزيل إلى ثمانية أعشار الوظيفة ونحن نوفر له ما يحتاج إليه عن طيب خاطر، هذا على مستوى الخدمات، أما على مستوى التعامل مع المسنين، فإننا ندرب من يعملون لدينا على كيفية التعامل العربي الأصيل مع نزلائنا، إن أكثر الكلمات ترددا في بيتنا هي: عمي خالي والدي ووالدتي، من يرفض التعامل بهذه اللهجة ويحيد عما رسمناه لأنفسنا من تعامل يليق بكبارنا، لا مكان له في بيتنا.
اسأله من أي المناطق تستقبلون نزلاءكم؟ ما هو المطلوب من النزيل؟ وما هو وضعه بصورة عامة؟ ومن أين تتلقون الميزانيات اللازمة لعملكم؟ يرد عزايزة، لأقل لك أولا إننا بيت الآباء الوحيد من بين نحو ألمائتي بيت للمسنين، في إسرائيل المخصص للنزلاء العرب، هذه نقطة تميز أولى، نعتز بها، أما نزلاؤنا فإنهم من الناصرة ومنطقتها، ولدينا نزلاء من منطقة المثلث أيضا، معظم النزلاء في بيتنا هم ممن يحتاجون لرعاية طبية يومية، وهم إما من المقعدين أو الواهنين جسديا أو نفسيا مثل مرضى الالتسهايمر- الخرف، أضف إلى هذا أننا لا نتقاضى مقابلا من النزلاء، وإنما نحن نستقبلهم بعد أن يوجههم إلينا مكتب التامين الوطني، هذا المكتب يخصم 75% من مدخولهم منه ويحولها بالتالي إلينا، أما بالنسبة للميزانيات العامة فإنها تقارب في وضعنا الحالي نحو الـ 18 مليون شاقل في السنة، معظم هذه الميزانية تقدمها لنا وزارتا الصحة والرفاه الاجتماعي، إضافة إلى مكتب التامين الوطني. في السنة الأخيرة تم خصم نحو الـ10% من ميزانيتنا، بسبب الأزمة الاقتصادية، إذا زاد هذا التخفيض فإننا سنجد صعوبة في أدائنا لعملنا، ما سيؤثر عليه سلبا، وهو ما يؤلمنا ونرجو ألا نصل إليه.
استقبل بيت الآباء في دبوريه خلال خمسة عشر عاما، هي عمر وجوده وعطائه، نحو الخمسمائة نزيلا، بعضهم قضى ساعاته الأخيرة، وبعضهم تعافى وعاد ليمارس حياته بهذه الطريقة أو تلك، هل يوجد لديك قصة إنسانية معبرة يمكنك سردها علينا؟ اسأل عزايزة فيرد، كل نزيل لدينا وله قصته الإنسانية الخاصة به، بإمكانك أن ترى إلى الدروع والشهادات المعلقة في مدخل البيت، لترى إلى أية قصص إنسانية عشناها ونعيشها في هذا البيت. ما يقوله عزايزة يذكرني بتلك الدروع والشهادات في المدخل، فقد توقفت عندها كثيرا، وقرأت بحب ما كتب على معظمها: أهل المرحومة من ... يشكرون بيت الآباء والعاملين فيه على ما قدموه من أيادي بيضاء لعزيزتنا الراحلة.
عندما ابتدأ بيت الآباء في دبوريه عمله في عام 1993، ضم قسمين، وهو ما يعني أن عدد نزلائه تراوح حينها بين الستين والسبعين، أما اليوم فانه يضم أربعة أقسام، تضم نحو الـ 125 نزيلا، يقدم الخدمات إليهم نحو المائة من الموظفين والمستخدمين، كما انه يضم مركزا للمسنين، وهو يقدم الخدمات اليومية إلى نحو الـ 150 مسنا في بيوتهم وفق توجيهات من مؤسسة التامين الوطني، إضافة إلى هذا فانه يدير ناديا في موقع آخر في البلدة، كل هذا التطور ما كان يتحقق لولا الإدارة السليمة، يؤكد عزايزة.
وماذا مع المستقبل؟ كيف تنظر إليه؟ يرد عزايزة قائلا: يوجد لدينا حاليا نزيلان في كل غرفة، نحن نطمح لان تتاح لنا الإمكانية لان نوفر غرفة لكل واحد من نزلائنا، أما ما نطمح إليه مستقبلا، هو أن نوفر شقة خاصة لكل من نزلائنا، فمن أعطى حتى وصل إلى سنه المتقدمة يستحق أن يأخذ بقدر ما أعطى أو.. نحوه.
مقالات -
مقالات نزلاء